أحمد عبد الفتاح زواوي

105

شمائل الرسول ( ص )

فهم كنهها عاقل ، حيث جعل اللّه - عز وجل - الجواهر أعراضا ، والمعنويات محسوسات ، حيث جاء جبريل بالإيمان والحكمة في طست من ذهب ، ورد في إحدى روايات البخاري : « ثم أوتي بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشوّا إيمانا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده يعني عروق حلقه ثم أطبقه » « 1 » . وعلى العبد ألا يتعجب من هذا ، فإن اللّه كان قادرا على أن يجعل الإيمان والحكمة أعراضا نراها ومحسوسات نلمسها ، ولكن قضت حكمته ، عز في علاه ، أن يجعل الإيمان والحكمة جواهر ، ويقلبها وقتما شاء أعراضا ، فالكل في قدرته سواء ، وهي في حق الإنسان معجزات لأنه لم يألفها ، بل ألف عكسها وضدها . 2 - حشو القلب بالإيمان والحكمة ، دليل قاطع على أنه ليس في قلب رسولنا صلّى اللّه عليه وسلّم أي محل لما يمكن أن يطرأ عليه من تغيرات إيمانية ، فلو عرضت - حاشا لله - أي شبهة أو نزوة فلن تجد لها منفذا لتستقر في هذا القلب الشريف ، لعدم وجود أقل مكان لها ، حيث ملئ المحل كله بالإيمان والحكمة ، وقد ضربت هذا المثل مع استحالته لتقريب الصورة إلى الأذهان ، وليعلم كل أحد منزلة نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم . 3 - استخدام لفظ ( حشي ) أبلغ في إيصال المعنى المراد ، وهو أتم فائدة من لفظ ( ملأ ) ، لأن لفظ ( الحشو ) يستخدم فيما ملئ بقوة ، مع الحرص التام على عدم ترك أي ثغرة بدون إيصال المادة المحشو بها ، أما لفظ ( الملء ) فهو أقل من ذلك معنى ، فمع الملء قد يكون الهواء ، أما مع الحشو فيستحيل ، وهذا الفهم يزيدنا إيمانا بعلو منزلة نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم عند ربه . الفائدة الرابعة : خير ما يملأ به العبد قلبه هو الإيمان والحكمة ، ولو كان هناك أعظم منهما في نفع العبد لملئ به قلب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولو كان هناك ما يماثلهما أو يحتاج إليه العبد مثل حاجته للإيمان والحكمة لجعلت في قلب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . 21 - إسلام قرينه صلّى اللّه عليه وسلّم : عن عائشة زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خرج من عندها ليلا قالت : فغرت عليه ، فجاء فرأى ما أصنع فقال : « ما لك يا عائشة أغرت » فقلت : وما لي لا يغار مثلي على مثلك ! ! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « أقد جاءك شيطانك » قالت : يا رسول اللّه أو معي شيطان قال : « نعم » قلت : ومع كلّ إنسان قال : « نعم » قلت ومعك يا رسول اللّه قال : « نعم ولكن ربّي أعانني

--> ( 1 ) البخاري ، كتاب : التوحيد ، باب : قوله : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ، برقم ( 7517 ) .